هل نجحت في الحفاظ علي علاقتك بأبنائك ؟
اذا كنت أبًا أو أمًا عربيًا تعيش في مجتمع غير عربي، فأنا أدرك جيدًا حجم الجهد الذي بذلته لتوفير حياة أفضل لأبنائك.
ربما بعد سنوات نجحت في بناء حياة مستقرة لأسرتك … لكن هل نجحت في الحفاظ على علاقتك بابنك؟
لما ان التربية هي شغلي الشاغل باستمرار فسؤالي لك اليوم لا يتعلق بما استطعت توفيره لأبنائك من إمكانات مادية، بل بما استطعت بناءه معهم من علاقة إنسانية.
خلال سنوات عملي الطويلة في المجال التربوي، قابلت آباءً وأمهات أمضوا سنوات في العمل وتحمل المسؤوليات والانشغال بتأمين مستقبل أبنائهم.
ثم اكتشفوا، بعد أن كبر الأبناء، أن الابن الذي فعلوا كل ذلك من أجله أصبح بعيدًا عنهم.
لم يعد يحكي لهم كما كان يفعل.
وربما أصبح أصدقاؤه، بل وأحيانًا بعض الأقارب، يعرفون عن حياته وأفكاره ومشكلاته أكثر مما يعرف والداه!
ولا أستطيع أن أصف لك كم يكون هذا الاكتشاف مؤلمًا للأب أو الأم.
فالنصائح التي كانت تُقال بدافع الحب أصبحت تزعج الابن بدلًا من أن تساعده.
ومحاولات الاقتراب منه قد تقابل بالصمت أو الانسحاب.
ويزداد قلق الوالدين عندما يكتشفان أن ابنهما يحمل أفكارًا وقناعات تختلف عما اعتقدا أنه نشأ عليه.
وهنا يظهر تحدٍّ إضافي قد تواجهه بعض الأسر العربية التي تعيش في مجتمعات مختلفة ثقافيًا.
فقد يكون الابن قد كوّن رؤيته للحياة متأثرًا بالمدرسة والأصدقاء والمجتمع المحيط به، بينما ظل والداه يعتقدان أن الأمور تسير كما يتوقعان.
وفجأة يجد الأب أو الأم نفسه أمام ابن يحبه بشدة، ويخاف عليه، ويريد حمايته، لكنه لم يعد يعرف كيف يصل إليه.
فيبدأ بتجربة كل ما يعرفه من أساليب:
مرة بالحوار، ومرة بالنصيحة، ومرة بالحزم، وأحيانًا بالتساهل.
ومع كل محاولة لا تحقق النتيجة المرجوة، يزداد شعوره بالعجز والقلق.
وهنا أريد أن ألفت انتباهك إلى أمر بالغ الأهمية:
ابنك ليس حقلًا للتجارب التربوية.
لا يصح أن تستمر في الانتقال من أسلوب إلى آخر لمجرد أنك سمعت نصيحة، أو شاهدت مقطعًا، أو نجحت الطريقة نفسها مع ابن أحد أصدقائك.
فليس كل ابتعاد من الأبناء له السبب نفسه، ولا تصلح الطريقة نفسها مع كل أسرة.
قبل أن تسأل: ماذا أفعل مع ابني؟ اسأل أولًا: هل أفهم حقًا ما يحدث معه؟
هل تعرف طبيعة شخصيته؟
هل تفهم احتياجاته النفسية ؟(مهما كان عمره )
هل تعرف كيف يرى علاقتكما، وما الذي يجعله يشعر بالأمان في الحديث معك، وما الذي يدفعه إلى الانسحاب؟
وهل تدرك أن بعض تصرفاتك التي تراها تعبيرًا عن الحب والاهتمام قد يستقبلها ابنك بصورة مختلفة تمامًا؟
التربية ليست مجموعة من الأساليب نجربها حتى ينجح أحدها.
إنها عملية تقوم على فهم الإنسان الذي نربيه، وفهم احتياجاته، وطبيعة العلاقة التي تجمعنا به، ثم اختيار أساليب التعامل التي تناسبه وتساعده على النمو النفسي السليم.
وأحيانًا لا تكون البداية الصحيحة أن نطلب من الابن تغيير سلوكه، بل أن نفهم أولًا ما الذي يحتاج إلى تغيير في طريقة تعاملنا معه.
فلا تنتظر حتى يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة بينك وبين ابنك.



تعليقات